عدنان بن عبد الله القطان

 12 محرم 1443 هـ – 20 أغسطس 2021 م

—————————————–

 

الحمد لله القائل في محكم ما أنزل (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًاً يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسّع  على ذوي الأبصار طرق الاعتبار بما بث في كتابه العزيز من القصص والأخبار،

ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أفضل أنبيائه وخاتم رسله، شرح الله صدره، ورفع ذكره، ووضع وزره، أرسله الله شاهداً ومبشّراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأُوصِيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

معا شر المسلمين: إنه ومع طولِ الليلِ وتفاقُم البلاء، يجمُلُ التفاؤُل، وفي غَمرة الأحزان، تحلُو حكايا السُّلْوان، وفي ثنايا الآلام تُولَدُ

الآمال، وإذا اشتدَّت الكُروب، وأطبَقَت الخُطوب، وتسلَّطَ الفاجِرُ وعزَّ الناصِرُ؛ فسنَّةُ الله في قُرآنه قبل النصر، قصصٌ تبعثُ الأملَ، وتحيا بها النفوسُ، ويزكُو بها الإيمان.. وما يُصيبُ المؤمنَ من جراحاتٍ وابتلاءاتٍ ومصائب في هذه الحياة الدنيا، ليس إلا سنةً قد خلَت في الأصفياء قبله، تُرفَع بها الدرجات، وتُحطُّ بها السيئات، وتُمحَّصُ بها القلوبُ، وتصفُو بها الأمةُ المؤمنة،وصدق الله العظيم حيث يقول: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) وفي سيرة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، آياتٌ وعِبَر، وفي أحرَج الفترات وأشدِّها في مكة، وقبل الهِجرة بثلاث سنين، ماتَت زوجه خديجةُ رضي الله عنها ، وكانت له وزيرَ صدقٍ على الإسلام، يشكُو النبيُّ الحبيبُ إليها، ويستنِدُ عليها، ومات عمُّه أبو طالب، وكان منَعَةً له وناصِراً على قومه، واستغربَ الناسُ حادثةَ الإسراء والمعراج فكذَّبوه، وارتدَّ بعضُ من أسلَمَ، وانكفَأَت الدعوةُ حتى ما كاد يدخلُ في الإسلام أحد. وسمَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم  ذلك العامَ: عامَ الحزن، وتجرَّأَت قريشٌ على النبي صلى الله عليه وسلم ، وبلغَت الحربُ عليه أقصَى مداها، ورسولُ الله  صلى الله عليه وسلم يُعانِي من الوَحشَة والغُربة، وتُعانِي معه الجماعةُ المُسلِمةُ هذه الشدَّة. فأنزلَ الله تعالى سورة الإسراء وسورة الفُرقان، ثم نزلَت سورةُ يونس، ثم سورة هود، وكان فيها من التثبيت والتسلية والتسرية، وقصص الأنبياء وأخبارِهم مع أقوامهم وأيام الله فيهم، وإدالَة الحق وأهله، ما قوَّى عزمَ النبي صلى الله عليه وسلم وعُصبَته المؤمنة، وفي خاتمة سورة هود: يقول الله تعالى: (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) وبعد هذه السور، وفي تلك المرحلة الحزينة، نزلت سورةُ يوسف؛ فكانت بلسماً وحناناً ورحمةً من الله وسُلواناً، وكانت خاتمةَ القصص الجميلة.

أيها الأخوة والأخوات في الله: سُورةُ يوسف عليه السلام فيها مشاهِدُ الألم والأمل، ومرارة الفِراق وحلاوة اللقاء، فيها حِكايةُ اليأس واليقين، والظلم والقَهر، والابتلاء والصبر، ثم النجاحُ والنصرُ. فيها الانتقامُ والعفوُ والصفحُ، فيها الرجاءُ والدعاءُ، والتمكينُ بعد الابتلاء، والعاقبةُ الحُسنى للمتقين والصابرين. سُورةُ يوسف تتجلَّى فيها حِكمةُ الله وأقداره، وتدبيرُه وأسرارُه في نظمٍ قصصيٍّ لم تسمَع الدنيا بمِثلِه:يقول الله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًاً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) يقصُّ الله على نبيِّه الكريمِ قصةَ أخٍ له كريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم  عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين ، وهو يُعانِي صنوفًاً من المِحَن والابتلاءات:

مِحنةُ كيد الإخوة، ومِحنةُ الجُبِّ(البئر) ومحنة الخوف والترويعِ فيه، ومِحنةُ الرِّقِّ وهو ينتقلُ كالسلعةِ من يدٍ إلى يدٍ على غير إرادةٍ منه ولا حمايةٍ ولا رعايةٍ من أبَوَيه ولا من أهله.. ومِحنةُ كيد امرأة العزيز والنِّسوة، وقبلَها ابتلاءُ الإغراء والفتنة والشهوة، ومِحنةُ السجن بعد رغَدِ العيشِ وطَرَاوَته في قصر العزيز، ثم مِحنةُ الرخاء والسلطان المُطلَق في يديه وهو يتحكَّمُ في أقوات الناس وفي رِقابِهم، وفي يديه لُقمة الخُبز التي تقُوتُهم، ومِحنةُ المشاعِر البشرية وهو يلقَى بعد ذلك إخوتَه الذين ألقَوه في الجُبِّ وكانوا السببَ الظاهرَ لهذه المِحَن والابتلاءَات كلِّها. فلا عجبَ أن تكون هذه السورة بما احتَوَته من قصةِ هذا النبيِّ الكريمِ، ومن التعقيباتِ عليها بعد ذلك مما يتنزَّل على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  والمسلمين معه في مكة في هذه الفترة بالذات، تسليةً وتسريةً، وتطميناً وتثبيتاً للمُطارَدين المُغترِبين في كل مكان، بل كأنَّ في هذا تلميحاً بالإخراج من مكة إلى دارٍ أخرى، يكون فيها النصرُ والتمكينُ، مهما بدا أن الخروج كان إكراهاً تحت التهديد، كما أُخرِج يوسف عليه السلام من حِضنِ أبيه ليُواجِهَ هذه الابتلاءات كلها، ثم ينتهي بعد ذلك إلى النصر والتمكين، يقول تبارك وتعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

أيها المؤمنون: لقد جاءت آيةُ التمكين في ثنايا ذِكرِ يوسف عليه السلام وهو يُباعُ بيعَ الرَّقيق، وجاءت السورةُ وفي كل مراحلِ قصَّتها تأكيدٌ للإيمان واليقين والثقة بربِّ العالمين، والعاقبةِ الحُسنى للمُتَّقين.

وعند إلقاء يوسف عليه السلام في الجُبِّ وبيعِه وإرادة الكيدِ له، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فقد أراد إخوةُ يوسف له أمراً، وأراد الله له أمراً، ولما كان الله غالباً على أمره ومُسيطِراً

فقد نفَدَ أمرُه، أما إخوةُ يوسف فلا يملِكون أمرَهم، فأفلَتَ من أيديهم وخرجَ عما أرادوا: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، لا يعلمون أن سنةَ الله ماضِية، وأن أمره هو الذي يكون. وعندما كادَ يوسفُ عليه السلام أن يركَنَ إلى بشرٍ يذكُرُ مظلمَتَه عند الملِك، كان جزاؤُه أن لبِثَ في السجنِ بِضعَ سنين، قد شاءَ ربُّه أن يُعلِّمَه كيف يقطَعُ الأسبابَ كلَّها، ويستمسِكَ بسببه وحده فلم يجعل قضاءَ حاجته على يدِ عبدٍ، ولا سببٍ يرتبِطُ بعبدٍ، وهذا من اصطفائِه وكرمِه.. إن عبادَ الله المُخلَصين ينبغي أن يُخلِصُوا له سبحانه وأن يدَعُوا له وحده قِيَادَهم، ويدَعُوا له سبحانه تنقِيلَ خُطاهُم، وحين يعجَزون بضَعفهم البشريِّ في أول الأمرِ عن اختيار هذا السُّلوك يتفضَّلُ الله  سبحانه فيقهَرُهم عليه حتى يعرِفُوه ويتذوَّقوه ويلتزِموه بعد ذلك طاعةً ورِضاً وحُبّاً وشوقاً، فيُتِمُّ عليهم فضلَه بهذا كلِّه.

أما يعقوبُ النبيُّ عليه السلام فكان المؤمنَ المُوقِنَ، والصابِرَ الواثِقَ، وفي كل لحظةِ وداعٍ يدعوا ويقول: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)،ويقول: (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) وعند فقدِ ولديه ويبلُغُ الألمُ مُنتهاه يقول: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ويقول: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) إنه إيمانُ الأنبياء ويقينُ الحُنفاء، فلا تيأسُوا من رَوحِ الله أيها المَكلُومون ، ولا تيأسوا من روح الله أيها المبتلون، ولا تيأَسُوا من نصرِ الله أيها المُرابِطون الصامِدون في وجهِ العواصِفِ والأعداء، المؤمنون الموصولةُ قلوبُهم بالله، النَّدِيَّةُ أرواحُهم برَوحِه، الشاعِرون بنفَحَاته الرَّخِيَّة، لا ييأَسُون من رَوحِ الله ولو أحاطَ بهم الكَربُ، واشتدَّ بهم الضِّيقُ؛ فالمؤمنُ في رَوحٍ من ظِلالِ إيمانه، وفي أُنسٍ من صِلَته بربِّه، وفي طُمأنينةٍ من ثقتِه بمولاه، وإن كان في مضايقِ الشدة ومخانِقِ الكُروبِ.

أيها الأخوة والأخوات في الله: لقد كانت تلك المِحَنُ والابتلاءات من تدبيرِ الله ولُطفِه وعلمِه ورحمتِه، حتى مكَّنَ الله ليوسف  عليه السلام  فصار ملِكاً عزيزاً بيده خزائنُ مِصر، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) يتَّخِذُ منها المنزلَ الذي يُريد، والمكانَ الذي يُريد، في مُقابِل الجُبِّ وما فيه من مخاوِف، والسجنِ وما فيه من قُيُودٍ، (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ) فنُبدِلُه من العُسر يُسراً، ومن الضِّيقِ فرَجاً، ومن الخوفِ أمنًاً، ومن القيدِ حُرِّيَّةً، ومن الهَوانِ على الناسِ عِزّاً ومقاماً عليّاً، (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) الذين يُحسِنون الإيمانَ بالله والتوكُّل عليه والاتجاهَ إليه، ويُحسِنون السُّلوكَ والعملَ،  (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وهكذا عوَّضَ الله يوسف عليه السلام عن المِحنَة تلك المكانةَ في الأرض، وهذه البُشرى في الآخرة جزاءاً وِفاقًاً على الإيمان والصبر والإحسان، وهذا من سرِّ تَكرار وصفِ الله العليِّ لذاتِهِ بأنه هو العليمُ الحكيمُ يعلمُ الأحوالَ، ويعلمُ ما وراءَ هذه الأحداث والابتلاءات، ويأتي بكلِّ أمرٍ في وقته المُناسِب عندما تتحقَّقُ حِكمتُه في ترتيب الأسباب والنتائج، (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)

وفي خِتام السورة يقول جل وعلا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إنه التثبيتُ بمجرى

سُنَّة الله عندما يستيأِسُ الرُّسُلُ، والتلميحُ بالمخرَج المكروه الذي يلِيهِ الفَرَجُ المرغُوبُ… معانٍ تُدرِكُها القلوبُ المُؤمنة فيغمُرُها الإيمانُ واليقين، والصبرُ والثبات، تلك سنةُ الله لا بُدَّ من الشدائد، ولا بُدَّ من الابتلاءات والكُرُوبِ، ثم يجِيءُ النَّصرُ والفرج بعد اليأسِ من كل أسبابِه الظاهِرة التي يتعلَّقُ بها الناسُ، يجيءُ النصرُ والفرج من عند الله فينجُو الذين يستحِقُّون النجاة، ينجُون من الهلاكِ الذي يأخُذُ الظالمين، وينجُون من البَطشِ والعَسف الذي يُسلِّطُه عليهم المُتجبِّرون، ويحِلُّ بأسُ الله بالمُجرمين مُدمِّراً ماحِقاً لا يقِفُون له، ولا يصُدُّه عنهم وليٌّ ولا نصيرٌ، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..

أما بعد فيا أيها المسلمون: لقد اشتملت قصة يوسف عليه السلام، على جملة من الفوائد والعظات نذكر طرفاً منها، فنقول:

أولاً:إن هذهِ القصة فيها من أصولِ تعبيرِ الرؤيا المناسبةِ، وأن عِلمَ التَّعبير عِلمٌ مُهمٌ يَهبه اللهُ لمن شَاءَ من عِبادهِ، وهُو دَاخلٌ في الفَتوى، فينبغي لمن لا يُحسنُ الخَوضَ في بَحرهِ، ألا يلجَ فيهِ لئلا يَنْدمَ على ذلك.

ثانياً: ينبغي للعبدِ البعدُ عن أسبابِ الشرِّ وكِتمان ما يخشى مضرته، وقد وجه يعقوبُ عليه السلام فلذة كبدهِ بذلك قَائلا:ً ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾

ثالثاً:العدلُ مطلوبٌ في جميعِ الأمور، الصغار والكبار، ومن ذلكَ مُعاملةَ الوالدينِ للأولادِ، فلابدَ من التَّسوية بينهم، وعدم إيثار بعضهم على بعض، ومتى حصل ذلك اختلَّ نظامُ الأسرة، ووقع ما يكدر الصفو، ويعكر طعم الحياة، وهذا ما حصل ليعقوب عليه السلام.

رابعاً:الحذرَ من شُؤْم الذُنوب، فكم من ذنبٍ واحدٍ اسْتَتَّبع ذُنُوباً كثيرة، وهذه حالُ إخوة يوسف عليه السلام، لما أرادوا التفريقَ بينهُ وبين أبيهِ، وهذا ذنبٌ عظيمٌ، ترتبَ عليهِ ذُنوبٌ كثيرةٌ من الكذبِ ورمي يوسف، وهكذا الطاعةُ تتبعها في الغالبِ الطاعة، وهذا دليلٌ على بركةِ الطاعةِ وشُؤمُ المعصيةِ.

خامساً: العبرةُ بالنهايةِ لا بالبداية، وهكذا كانَّ أمر إخوة يوسف تَابُوا واسْتغفروا وصفح عنهم يعقوب ويوسف عليهما السلام، وإذا صفح وعفا وسامح، العبدُ فاللهُ أولى بذلكَ وهو خير الراحمين.

سادساً: الحذرُ من خلوة الرجال والشباب بالنساءِ والفتيات الخلوات المحرمة، وخُصوصاً اللاتي يُخشى منهنَّ الفتنة، وقد جرى ما جرى ليوسف بسببِ الخلوة لكنَّ الله عصمه، فليخشى أولئكَ الرجال والشباب، الذين يتعرضون للخلوة بالنساءِ والفتيات المحرمات…

 سابعاً: ما كانَ عليهِ يُوسف عليه السلام من الجمالِ الظاهرِ والباطنِ، أمَّا الظاهرُ فهو الذي بسببهِ حَصلَ له ما حصل من امرأةِ العزيزِ ومن النساءِ اللاتي كُنَّ يَلُمنها على فِعلها،  وأمَّا جَمالُ الباطنِ فهو العِفَّةُ العظيمةُ مع وجودِ الدواعي الكثيرة لوقوعِ السُّوءِ مِنه، لكن ما قذفَ الله في قلبهِ من الإيمانِ والإخلاصِ وقُوةُ الحقِ طَردَ عنهُ الرَّذيلة، وجَعلهُ بَعيداً عنِ السُّوء، وهذا ما جعلهُ عَظيماً في نُفُوسِهم أَجمعين.

ثامناً:العبدُ الصادقُ مع ربهِ ينبغي أن يلتجأ إليه ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حَولهِ وقوتهِ لأنه عبدٌ ضعيفٌ، وقد كانَ ذلكَ من يوسف  عليه السلام،  ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾

تاسعاً:حُسن التدبيرِ مطلوبٌ والإخلاصُ في العملِ شَرطٌ لقبولهِ، وقد تحققَ ذلك ليوسف عليه السلام فكثُرتِ الخيراتُ في عهده، وهكذا من ولي من أمرِ المسلمينَ شيئاً سَواءٌ كانت الولايةُ صغيرة أو كبيرة عليهِ أن يَرفُقَ بِهم، وأن يُساعدهُم، و أن ينصحَ لهم ليتحققَ على يديهِ الخير لهم إن شاء الله تعالى.

عاشراً: فضيلةُ الصبرِ وأن عواقبهُ حميدة، وهكذا كان حال يعقوب ويوسف عليهما السلام..

الحادي عشر: هذه القصة مليئة بالعظات والعبر، ولعل قراءتها والتمعن في تدبر آياتها يجعل العبد يفقه كثيراً من أسرارها.. نسأل الله بمنه وكرمه، أن يجمعنا بمحمد وبيعقوب ويوسف ووالدينا وأحبابنا في جنات النعيم.. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، ونسألك يا رحمان يا رحيم! عيش السعداء، ومنازل الشهداء، ومجاورة الأنبياء، والصبر على البلاء، والنصر على الأعداء. اللهم لا تدع لنا في يومنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا عدواً إلا خذلته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها، برحمتك يا أرحم الراحمين!.. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في وطننا، وفي خليجنا، ووفق ولاة أمورنا، وفق ملكنا حمد بن عيسى وولي عهده رئيس وزرائه سلمان بن حمد، وفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة يارب العالمين.. اللهمَّ ارفع البلاء والوباء وسيء الأسقام والأمراض عنا وعن بلادنا وبلاد المسلمين وعن الناس  أجمعين، اللهم عافنا في أبدانِنا وأسماعِنا وأبصارِنا، اللهم إنا نسألُك العفو والعافيةَ في الدنيا والآخرةِ. اللهم إنا نسألُك العفوَ والعَافيةَ في دينِنا ودنيانا وأهلِنا وأموالِنا، اللهم استر عوراتِنا وآمن روعاتِنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفِنا وعن أيمانِنا وعن شمائلِنا ومن فوقِنا ونعوذُ بعظمتِك أن نغتالَ من تحتِنا. اللهم انصر عبادك المستضعفين المظلومين في كل مكان، اللهم أحفظ المسجد الأقصى مسرى نبيك  وحصنه بتحصينك، وأكلأه برعايتك، واجعله في حرزك وأمانك وضمانك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا، وعاف مبتلانا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ.

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

خطبة جامع الفاتح الإسلامي – عدنان بن عبد الله القطان – مملكة البحرين.